ليست الأنباء المتداولة حول استهداف سيف الإسلام معمر القذافي حدثًا عابرًا في سياق ليبي مرتبك، بل مؤشرًا خطيرًا على طبيعة المسار الذي يُراد لليبيا أن تسير فيه. فحين يُستهدف رمز يمتلك حضورًا اجتماعيًا وحاضنة شعبية، فإن الرسالة تتجاوز الشخص لتصيب الفكرة ذاتها: لا مكان لبدائل وطنية خارج معادلة الفوضى.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع سيف الإسلام، فإن إنكار رمزيته السياسية والاجتماعية هو إنكار للواقع. الرجل يمثّل، لدى شريحة واسعة من الليبيين، احتمالًا لكسر حالة الانسداد، أو على الأقل إعادة فتح النقاش حول الدولة، والسيادة، والشرعية الشعبية. واستهدافه في هذا التوقيت يطرح سؤالًا جوهريًا: من لا يريد لليبيا أن تخرج من دائرة الفوضى؟
التجربة الليبية منذ 2011 أثبتت أن كل من يقترب من فكرة الدولة الجامعة يُقصى، وكل من يملك امتدادًا شعبيًا يُحاصر، بينما تُفتح الأبواب أمام كيانات هشة، وسلطات أمر واقع، واقتصاد حرب لا يعيش إلا على استمرار الانقسام. ومن هنا، فإن استهداف الرموز ليس إلا أداة لإعادة هندسة الفوضى، لا لإنهائها.
المستفيدون واضحون: شبكات السلاح، أمراء الميليشيات، وتلك القوى الإقليمية والدولية التي ترى في ليبيا ساحة مصالح لا دولة ذات سيادة. أما الخاسر الدائم فهو الشعب الليبي، الذي يُمنع مرة أخرى من حقه الطبيعي في الاختيار، ويُفرض عليه مشهد سياسي مفصّل خارج إرادته.
الأخطر في هذا المسار أنه يكرّس منطق الاغتيال السياسي بدل التنافس الديمقراطي، ويبعث برسالة مفادها أن الطريق إلى السلطة لا يمر عبر صناديق الاقتراع، بل عبر الإقصاء والتصفية. وهذا من شأنه أن يدفع ليبيا إلى مرحلة أكثر قتامة، عنوانها انسداد سياسي أعمق، واستقطاب أشد، واحتمالات انفجار جديدة.
ليبيا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاعتراف بحق الليبيين في تقرير مصيرهم عبر مسار سياسي جامع، أو الاستمرار في سياسة قطع الطريق على أي بديل وطني، بما يعني إدامة الفوضى تحت عناوين مختلفة.
قد يُغتال شخص، وقد يُقصى رمز، لكن الأوطان لا تُدار بالاغتيالات، ولا تُبنى بتصفية الخصوم. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يكتب رواية المنتصرين بالقوة، بل يسجل سقوط من ظنّ أن قتل الفكرة أسهل من مواجهتها.
د/ جمال الحميري